
وردت مادة (تقن) في مختار الصحاح للرازي, بمعنى: إتقان الأمر وإحكامه, ومنه قولـــه تعالى: }صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون{ (النمل آية:88), وقد اعتمد مجمع اللغة العربية بالقاهرة في ألفاظ الحضارة من معجمه الكبير كلمة تقنية كمرادف للتكنولوجيا باعتبار أن التقنية مشتقة من الإتقان وقائمة عليه (1)وذلك بما يعني أن التقنية تعريب لمصطلح تكنولوجيا غير العربي الأصيل. إذا يرجع أصل لفظة تكنولوجيا إلى اللغة اليونانية وهو مكون فيها من كلمتين هما: techno وتعني الفن أو الصناعة, logos وتعني الدراسة أو العلم, ويمزج الكلمتين في بعضهما فإن المصطلح يعني في أصله الإغريقي علوم أو دراسات الصنائع أو فنونها, وهو معنى لا يختلف كثيراً عن معناه في اللغة الإنجليزية Technology (2). وليس من اليسير وضع تعريف جامع مانع للتكنولوجيا نظراً لتعدد مجالاتها, فهناك على سبيل المثال: تكنولوجيا المعلومات وهي في ذاتها تتنوع إلى ثلاثة أنواع: تكنولوجيا الإلكترونيات الدقيقة وتكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا نظم المعلومات والمعرفة, وهناك تكنولوجيا المواد الجديدة (التخليقية) وتكنولوجيا الفضاء والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية وتكنولوجيا صناعة الدواء, والصناعات البترولية والكيماوية, وتكنولوجيا الطاقة النووية والتكنولوجيا العسكرية وتكنولوجيا المحركات وغيرها الكثير بما يسمح أن تكون لكل صناعة تقنيتها المستقلة. ولكن على الرغم من صعوبة وضع تعريف جامع مانع للتكنولوجيا إلا أنها من وجهة التحليل الاقتصادي باعتبارها مورداً أو مدخلاً للإنتاج فإنه يمكن تعريفها بأنها: "مجموعة المعارف والمهارات والخبرات الجديدة التي يمكن تحويلها إلى طرق إنتاج أو استعمالها في إنتاج سلع وخدمات وتسويقها وتوزيعها, أو استخدامها في توليد هياكل تنظيمية إنتاجية" وذلك بما يعني:أن التكنولوجيا ليست هي المصنع وليست هي المنتج الذي يخرج من هذا المصنع, ولكنها مجموعة المعارف والمهارات التي بها أنشأ المصنع والتي على أساسها يتم الإنتاج عن طريق منظومة عمالية وإدارية ذات كفاءة ومقدرة على أحداث التطوير والتخطيط له وتنفيذه (3) وبعبارة أخرى: فإن التقنية هي: المعرفة العلمية بدقائق الأنشطة التنموية وبتفاصيل فنونها, والقدرة على توظيف كل المعارف والكفاءات المتاحة من أجل زيادة الإنتاج وتحسينه, ورواج التجارة ونجاحها. كما يمكن تعريفها بأنها: مجموعة المعارف والأساليب المتاحة واللازمة للإنتاج والتنمية, وبأنها: المعرفة العلمية والهندسية والإدارية التي يمكن بواسطتها تصور وتعميم وإنتاج وتطوير وتوزيع المنتجات والخدمات المختلفة, وبأنها: القدرة على اختراع آلة أو مجموعة من الآلات, أو تطوير مهارة أو مجموعة من المهارات, أو إتقان معلومة أو مجموعة من المعلومات المنظمة والمتناسقة أو إجادة عملية أو مجموعة متتالية من العمليات, أو تكوين الفعالية المنظمة لمجموعة اجتماعية, لها هدف القيام بنشاط معين, والجوانب الإدارية والتنظيمية اللازمة لكل ذلك (4). العلم والتكنولوجيا: هما على حد تعبير البعض مرحلتان متميزتان ومتكاملتان لتحقيق المعرفة, من حيث إن غاية العلم هي البحث عن كنه الأشياء وحقيقتها والكشف عن عناصرها وخصائصها وصولا إلى قانون كل شيء ونظريته, أما التكنولوجيا فهي المرحلة التالية لاكتشاف قانون الأشياء, إنها التطبيق العملي لنتائج قانون الشيء, إنها ابتكار أسرع وأيسر الطرق لاستعمال قانون الأشياء في الإنتاج, إنها ثمرة العلم (5). أو بعبارة أخرى فإن رافدي المعرفة البشرية المعاصرة (العلم والتقنية) يرتبطان برباط وثيق لا تستطيع التقنية فيه أن تنفصل عن العلم ولا يستطيع العلم فيه أن يتقدم بغير تقنيات دائمة التطور, وذلك في ظل إدارة عصرية منضبطة وتنظيم دقيق لجمع المعلومات وتوثيقها فيما يعرف الآن بثورة المعلومات (6). فالتكنولوجيا عند البعض "هي معرفة الوسيلة في حين أن العلم هو معرفة العلة وذلك بما يعني أن التكنولوجيا هي التطبيق العملي للاكتشافات العلمية والاختراعات التي يتمخض عنها البحث العلمي (7). العلم إذن هو أساس التكنولوجيا, غير أنه لا يؤدي بذاته إليها, كما أن التطور العلمي لا يؤدي تلقائيا إلى تطور تكنولوجي, إنما هو فقط شرط لإمكانية هذا التطور, التطور التكنولوجي يأتي نتيجة التفاعل والترابط بين ما يتوصل إليه البحث العلمي من نتائج وقوانين, وبين التطبيق الفوري والسريع لهذه النتائج في المؤسسات الإنتاجية القائمة, أي الترجمة الفورية للقوانين والمكتشفات العلمية إلى سلع وخدمات وهياكل تنظيمية وإنتاجية (8).إن هذا التفاعل والترابط بين المؤسسات العلمية والبحثية والمؤسسات الإنتاجية هو الذي يخلق الملاحقة التكنولوجية والتطور التكنولوجي, بل والوثوب التكنولوجي, فأشد ما يعاني منه العلماء والباحثون أن تظل نتائج بحوثهم حبيسة الأدراج ورفوف المكتبات العامة والخاصة, في الوقت الذي تكون فيه المؤسسات الإنتاجية بمنعزل عنهم, إما مكتفية بأساليب إنتاجية عتيقة أو لاهثة وراء تكنولوجيا مستوردة, كما هو الشأن في غالبية الدول الإسلامية.التكنولوجيا والاختراع: هما من الناحية الفنية وجهان لعملة واحدة إذ يعبران عن التطبيق العملي للقوانين والمكتشفات والنظريات العلمية التي تم التوصل إليها من خلال البحث العلمي: فاللفظتان متطابقتان من حيث كونهما ثمرة المعرفة وغايتها, ولكنهما مختلفتان من حيث السرية ونطاق الحماية القانونية والاحتكار, فالمؤسسات الإنتاجية الكبرى الممولة للبحث العلمي تحرص على إحاطة ابتكاراتها التكنولوجية بالسرية التامة حتى يمكنها احتكارها لأطول فترة ممكنة, ومن ثم فإنها لا تتمتع عند سرقتها أو تقليدها بالحماية المقررة للملكية الفكرية, سواء على المستوى المحلي أو الدولي (9) خلافاً للابتكار الذي يحصل صاحبه على براءة الاختراع ويكشف عن جميع أسراره, فإنه وفي مقابل إفادة البشرية منه يحصل على احتكار استغلال اختراعه لمدة محددة بموجب قانونه الوطني واتفاقية التجارة المتصلة بحقوق الملكية الفكرية, فحق الاختراع إذن مشمول بالحماية القانونية عند اقترانه بالحصول على براءة الاختراع ويقرر البعض بأن اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (التريبس) لم تحدد ماهية الاختراع وهذا لا يعد ثغرة فيها بل يعني الافتقار لمفهوم وحيد لما يعد اختراعا, كما يقرر أن الاتجاه العام في معظم القوانين الوطنية هو تجنب ذلك, لكي تترك مساحة من المرونة في ظل مناخ يتسم بالتغير العلمي والتكنولوجي, راجع كارلوس م ـ كوريا ـ حقوق الملكية الفكرية (اتفاق التربس وخيارات السياسات) (10).المبحث الثانيالتحليل الاقتصادي للتقنية ودورها في الإنتاج والتنمية لا شك في أن التقدم العلمي والتقني في العصر الحاضر, يشكل أهم العوامل المسئولة عن النمو الاقتصادي والاجتماعي والعسكري إذ لا يمكن الفصل بين التقدم العلمي التقني وبين عملية النمو والتقدم في المجالات المشار إليها ويرجع ذلك إلى الاعتبارات التالية:1- ارتباط إنتاجية العامل في جميع ميادين النشاط الاقتصادي بما يوفره له التقدم العلمي والتقني من معلومات ومعارف ومهارات واختراعات وعدد وآلات ومواد جديدة, وذلك بما يعكس العلاقة الوطيدة بين التكنولوجيا وعنصر العمل في عمليات الإنتاج.2- الدور الفاعل للبحث العلمي والتطور التكنولوجي في زيادة وتحسين إنتاجية الموارد الطبيعية الموجودة, سواء عن طريق اكتشاف المزيد منها, أو عن طريق اكتشاف استخدامات جديدة لها, أو عن طريق زيادة إنتاجها, وذلك بما يعكس أيضاً العلاقة الوطيدة بين التكنولوجيا وبين الموارد الطبيعية باعتبارها أحد عناصر الإنتاج.3- الارتباط الوثيق بين التكنولوجيا وبين الاستخدام الأمثل لرأس المال في الحصول على إنتاج مجود ذي قدرة تنافسية, فإن مجرد وجود مخزون طبيعي هائل من الثروات في دولة ما, أو امتلاكها لأرصدة مالية ضخمة, أو كوادر بشرية حاصلة على أعلى الدرجات العلمية أو أقامتها للمئات من المنشآت الاقتصادية, كل ذلك لا يكفي لانطلاقة هذه الدولة نحو النمو والتقدم, إذ لابد من اقترانه بمسايرة مستمرة في الإلمام بكل المعارف الجديدة والمكتسبة وحسن توظيفها في إحداث التنمية المنشودة.ولقد باتت الشركات الصناعية الكبرى مهددة بشكل مستمر من السبق التكنولوجي لها, وإخراجها من سوق المنافسة العالمية من جانب المنتجين الجدد الذين يحملون معهم أفكاراً إنتاجية جديدة, وهي الأكثر إدراكاً أن استمرارها وبقاءها مرهون بالبحث العلمي الجاد لإدخال تطويرات جوهرية مستمرة على منتجاتها, وذلك بما يعكس كما قلنا الصلة الوثيقة بين التكنولوجيا ورأس المال باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج.4- وإذا كانت التكنولوجيا ذات صلات قوية ووثيقة بالعناصر المادية للإنتاج متمثلة في العمل ورأس المال والموارد الطبيعية, فإن ارتباطها يتزايد وباستمرار بالمنظومة الإدارية التي تنهض بعمليات المزج بين عناصر الإنتاج المشار إليها من أجل إخراج المنتج النهائي للمشروع حيث تعني التكنولوجيا في بعض جوانبها المعرفية, رفع كفاءة المنظومة الإدارية للمشروع وزيادة قدرتها على إحداث التطوير والتخطيط له وتنفيذه, واستثمار الوقت بأقل تكلفة باستخدام المعارف الجديدة وذلك بما يمكن معه القول: إن المنافسة لم تعد تعتمد على وفرة المصادر الطبيعية أو العمالة الرخيصة أو مصادر التمويل, بل أصبحت القدرة التنافسية تكتسب من خلال إنتاج سلع جديدة أو التحسين السريع والمستمر في المنتجات وطرق التصنيع, والدخول بها إلى السوق بطريقة أكثر تأثيراً, وهو الأمر الذي يتطلب إدارة متطورة تلتقط إشارات السوق وتستجيب لها بل وتتفاعل معها. إدارة ذات حس مرهف قادر على التنبؤ والتقييم والاختيار وتعبئة الموارد والتنفيذ والترشيد والتطوير والمنافسة الدولية (11). خلاصة القول إذن هي أن القدرة التكنولوجية المتوفرة لمجتمع ما, هي المصدر الحقيقي للثروة فيه, والركيزة الأساسية التي تأخذ بيد هذا المجتمع نحو التقدم والرقي, وأن العلم والتكنولوجيا والإنتاج مكونات ثلاث تؤثر وتتأثر مباشرة وكلية بسياسات وخطط التنمية, فالعلم هو أساس التكنولوجيا, والتكنولوجيا هي الركيزة الأساسية للإنتاج والإنتاج هو عصب التنمية, وسياسة التنمية هي التي تحدد مسبقاً دور كل مكون من هذه المكونات ونطاق مشاركته في جهود التنمية الشاملة, كما تقتضي التنمية الشاملة التطوير التكنولوجي المستمر الذي يعجل بمعدلاتها, بينما يتدعم هو بمنجزاتها (12). لقد كانت عوامل الإنتاج في ظل الاقتصاد الكلاسيكي تنحصر في أربعة عوامل مجردة هي:الارض والعمل ورأس المال والتنظيم, وقد اختلف الكلاسيكيون في أي من هذه العوامل يلعب دوراً في الإنتاج ومع زيادة التكنولوجيا, وظهور الإنتاج العلمي المصاحب لها بما يستهدفه من تخفيض نفقات الإنتاج وزيادة غلته عن طريق فقد أقل ما يستطاع من الجهود والمواد, فقد فقدت عوامل الإنتاج المجردة عن التكنولوجيا قدرتها على إيجاد إنتاج كبير أو منافس, وأصبح مجرد امتلاك مجتمع ما لعنصر أو أكثر من عناصر الإنتاج الكلاسيكية مجرداً عن التكنولوجيا, لا يعني بالضرورة قدرة هذا المجتمع على الإنتاج الكبير أو المنافس, نعم قد يستطيع الإنتاج بشكل ما, لكنه لا يستطيع النفاذ بمنتجاته إلى الأسواق الخارجية إلا من خلال الإبداع, ولا يعرف سبيل للإبداع إلا من خلال التعليم المجود والتدريب المستمر, اللذين يمثلان المدخل الطبيعي للبحث العلمي المنتهي إلى الابتكار والاختراع والتطور التكنولوجي. لا غرو إذن إذا انتهينا إلى أن التكنولوجيا هي الرافد الحقيقي الذي يغذي عناصر الإنتاج ومرافقه التقليدية بالمعرفة والقدرة على التجويد والتطوير, واستشعار توجهات العصر, والتقاط إشارات السوق العالمية والاستجابة لها, واثبات الوجود والتنافس في الأسواق العالمية (13). ولا تقتصر وظيفة التكنولوجيا فقط على تنمية القدرة على استغلال الموارد الطبيعية للثروة الاقتصادية الاستغلال الأمثل, بل تلعب دوراً أكبر من ذلك, في مجالات أكثر حيوية وخطورة منها:ضمان أمن المجتمع وهزيمة أعدائه, تقريب المسافات الشاسعة, سهولة الاتصال الثقافي والحضاري, تخزين ونقل المعلومات ونشر الأفكار والأيدلوجيات, المحافظة على النظام واكتشاف الجريمة (14).المبحث الثالثعوامل اتساع الفجوة التقنية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة إن من الدعاوى التي لا تحتاج إلى دليل أن الغالبية الساحقة من زهاء خمسين دولة إسلامية, أصبح يفصل بينها وبين الدول المتقدمة فجوة أو هوة شاسعة في مجال العلوم والتقنية.ولعل من أسباب/ عوامل اتساع هذه الفجوة يمكن ردها إلى طائفتين من العوامل داخلية وخارجية, وكل طائفة منها تتنوع بدورها إلى عوامل مادية وغير مادية, وسوف نعني الآن ببحث هذه الطوائف الأربع وذلك من باب تشخيص الداء طلباً لمعرفة الدواء.أولاً العوامل الداخلية غير المادية:1- القصور الواضح في إدراك مسلمي العصر للخطاب القرآني والنبوي الكريم الداعي إلى العلم وإلى توظيفه لبناء دولة إسلامية قوية بل والتقاعس عن الاستجابة لمتطلبات هذا الإدراك إن وجد أحياناً, وهو الأمر الذي جعل العصر الحاضر من حياة المسلمين امتداداً لعدة قرون خلت من الركود والتخلف والتقليد.إن الخطاب القرآني النبوي الكريم في دعوته للمسلمين إلى العلم غير محصور فقط في دراسات العقيدة والشريعة والآداب والفنون وإنما يمتد إلى وجوب دراسات العلوم البحتة والتطبيقية الموصلة إلى معارف وحقائق الكون وقوانينه ومظاهره في عمليات متنامية وصولاً إلى منتهى الحقيقة المطلوبة في هذا الوجود وهي توحيد الله عز وجل, الواردة في قولــه تعالى: }فاعلم أنه لا إله إلا الله{ (محمد آية 19), ومن ثم توظيف التخصص العلمي أياً كان مجاله لخدمة العقيدة والدعوة إلى الله.2- غياب الإدراك عند المسلمين فرادى ودولاً لأبعاد التخلف التقني الذي وصلوا إليه, والقصور الواضح في الجهود الرامية إلى تغيير المناخ الذي أدى إلى هذا التخلف أو معالجة أسبابه.ثانيا: العوامل الداخلية المادية لاتساع الفجوة التقنية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة:تتعدد هذه العوامل إلى الحد الذي يلزم لاستقصائها وبيانها مجلداً ضخماً, وانطلاقاً من هذا فإن البحث سوف يقتصر على الإشارة إلى رءوس هذه العوامل التي يقع في مقدمتها:1- يرى البعض أن الفقر الذي يضرب بإطنابه في غالبية الدول الإسلامية واحداٌ من العوامل الرئيسية في تخلفها التقني, بل وانتشار الأمية فيها بين الكبار, إذ إنه ووفقاً لتصنيف الأمم المتحدة لدول العالم إلى دول متقدمة (غنية) ودول نامية (فقيرة) ودول أقل نمواً (معدمة) فإن غالبية دول العالم الإسلامي تقع في مجموعتي الدول النامية والأقل نموا وفقاً لمعيار نصيب الفرد من الدخل القومي, غير أني لا أميل إلى اعتبار الفقر عاملاً رئيسياً للتخلف التقني في البلدان الإسلامية بل أقول:إن غياب الإرادة السياسية لإحداث التنمية لدى حكومات هذه الدول هو العامل الرئيسي في تخلفها التقني وفقرها المادي وانتشار الأمية فيها, وليس أدل على ذلك مما يلي:أ- امتلاك هذه الدول فرادى ومجتمعة لرصيد معقول وكاف لإحداث التقدم من الموارد الطبيعية والبشرية والعقول القادرة على نقل وتوطين التكنولوجيا في بلادها.ب – أن الفقر في هذه الدول لا يحول بينها وبين الكثير من مظاهر السرف والترف في احتفالاتها ومهرجاناتها الفنية والكروية.ج – أن لدينا نماذج معاصرة لدول نامية فقيرة استطاعت أن تعبر الفجوة التقنية بقدر كبير من النجاح, ولم يمنعها حاجز الفقر من تحقيق الإرادة السياسية لحكوماتها في إحداث التنمية الشاملة ومن هذه الدول: الصين الشعبية, والهند, وكوريا الجنوبية, والباكستان ودول النمور الأسيوية.2-غياب السياسات الاقتصادية المستقرة والأهداف الإستراتيجية التنموية بعيدة المدى, إذ الملاحظ في غالبية الدول الإسلامية أن سياسات الدولة واستراتيجياتها مرتبطة بأشخاص معينين وتتغير مع كل تغيير لهؤلاء الأشخاص, بحيث يهدم الخلف ما أقامه السلف ويبدأ من جديد, حيث لا يجد الخلف غالباً سياسات مستقرة أو أهدافاً إستراتيجية واضحة المعالم, وإنما هي كلها أفكار وخطط ارتجالية وقتية مرحلية, ذات نتيجة واحدة هي تشتت وتبعثر جهود الدولة وطاقاتها وسنوات بنائها الماضية, فإذا انضم إلى ذلك بعض المعطيات الأخرى مثل:- إذكاء الدول الكبرى لروح الفتن والصراعات بين طوائف وعرقيات الدول الإسلامية, وسعيها الدائم نحو منع تمتعها بالاستقرار السياسي والأمني.- عدم اكتمال البنية الأساسية للاقتصاد القومي.- انعدام أو ضآلة الحوافز المادية والمعنوية للباحثين والموهوبين.- عدم توافر وسائل البحث العلمي والتقني, والقوى الفنية المساندة من مراكز الأبحاث والخدمات المكتبية والتوثيقية المتطورة.- اليأس والإحباط الذي يصيب الكفاءات العلمية الإسلامية من جراء الروتين والإهمال الحكومي لهم بما يدفعهم إلى الهجرة حيث بلاد النور والعلم من دول العالم المتقدمة.- ضيق المساحة بل وهامش الحرية السياسية والفكرية بما يستوعب المستوى العقلي والإبداعي للموهوبين والعلماء وبما يوفر لهم الحد الأدنى من مناخ الفكر والحوار والمناقشة وتبادل الرأي للقيام بالتجارب والدراسة و البحث.ضآلة بل وانعدام حجم الإنفاق العام على عمليات توظيف البحث العلمي من أجل التنمية في الدول الإسلامية على الرغم من ضآلة دخولها القومية حيث لا يتعدى وفق أفضل الإحصائيات نسبة 3% (15)ونقول: إنه إذا انضمت هذه المعطيات إلى غياب السياسات والإستراتيجيات فماذا ننتظر إلا أن تكون الفجوة التقنية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة أوسع وأعمق مما هي عليه الآن.إن العلم بعد أن علم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها لم يعد يكتسب من فراغ, والتقنية إنما هي حصاد وتوظيف لكل المعارف الإنسانية لتحقيق احتياجات الإنسان لتحقيق احتياجات الإنسان وتنمية ذاته ومجتمعه في عمليات مطردة ذات طبيعة تراكمية ولا حصاد بدون زرع.2- عدم الجدية في تأسيس قواعد ذاتية راسخة للبحث العلمي وتطبيقاته في دول العالم الإسلامي ولعل من أبرز مظاهر هذا العامل ما يلي: أ -انعدام الربط بين المؤسسات الإنتاجية ومراكز البحث العلمي.ب –قلة المعامل والمختبرات اللازمة للدراسات العلمية والتقنية بما تتطلبه من تجهيزات وأجهزة ومعدات حديثة وقوى فنية مساندة.ج – احتلال الدراسات النظرية لمساحة واسعة على خريطة الجامعات والمعاهد العليا في الدول الإسلامية على حساب دراسات العلوم والتقنية.د – عجز الجامعات والمعاهد العليا ومراكز البحث العلمي في دول العالم الإسلامي عن تحقيق نهضة علمية تقنية حقيقية لأسباب سياسية ومادية في الغالب الأعم.هـ - استمرار الاعتماد في تكوين الطاقات العلمية المسلمة على عملية الابتعاث أو الإيفاد إلى الجامعات الأجنبية, بما أدى إلى تغريب هذه الطاقات وانسلاخها عن واقع أوطانها وتعاليم دينها.و – ضعف التخطيط والتنسيق والتعاون بين المؤسسات العلمية والتقنية في دول العالم الإسلامي بما أدى إلى تفتيت الجهود وتكرارها في خطوط متوازنة, وبما أعاق انطلاقها جميعاً وفقاً لتخطيط واحد ولتحقيق هدف محدد تتكامل جميعها في تحقيقه.ز- حالة التفريط واللامبالاة وعدم الاكتراث إزاء هجرة العقول الإسلامية إلى الدول المتقدمة مع أن هذه الهجرة تشكل نزفاً للعقول والموارد المالية, إذ من بين كل مليون نسمة ينبغ في الدراسات العلمية والتقنية 20 عشرون فرداً في بنجلاديش و190 مائة وتسعون في جمهورية مصر العربية وبصفة عامة فإن متوسط هذا الرقم لا يتجاوز بحال المائة عالم في كل مليون مسلم في جميع الدول الإسلامية وذلك بما من شأنه أن كل عالم تقني مسلم يشكل في ذاته ثروة يصعب تعويضها, فضلا عما أنفقته عليه دولته المسلمة في سبيل تكوينه العلمي, والنسبة الغالبة من هؤلاء العلماء تدين بالولاء لأوطانهم غير أن هذه الأوطان بدل أن تحيطهم بالعناية والرعاية والتكريم والمعامل والمختبرات والقوى الفنية المساندة والخدمات المكتبية والتوثيقية المتطورة, بما يدفعهم إلى مزيد من الإبداع والابتكار فإنهم يحاطون بدلاً عن ذلك بالإهمال والأحقاد والروتين واللوائح والقوانين, بما يلغي عقولهم ويضيع عليهم سنوات إبداعهم إن آثروا البقاء في أوطانهم أو بما يدفعهم إلى الهجرة إلى الدول المتقدمة للانضمام إلى جيوش العلماء والمبدعين فيها حيث يلقون كل إغراء وتكريم وتشجيع واحتكار.ويرجع البعض أسباب التخلف هذه إلى: ضعف أو عدم توفر المستوى المطلوب من المهارات للتعامل مع التكنولوجيا المستوردة وتأصيلها وتطويرها من حيث إن حجم وهيكل الطلب على القوى العاملة حسب مستويات مهاراتها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمتغيرات التي تطرأ على أساليب الإنتاج ومجال التقدم التقني لوسائل الإنتاج, ويكون الارتباط عادة طردياً فكلما اتخذت وسائل الإنتاج طابع التحديث, كلما دعت الضرورة إلى الارتقاء بمستوى مهارات القوى العاملة في مرافق الإنتاج من جهة, واعتماد التحديث على البحث والتطوير كركيزة أساسية لديمومته من جهة أخرى (16).والبعض يرجع أسباب هذا التخلف إلى العجز الواضح في المؤسسات الضرورية العاملة في مجال التطوير التكنولوجي والتي تقف بين أجهزة البحث العلمي والمؤسسات الإنتاجية, وهي مؤسسات الدراسات الهندسية ومكاتب التصميم ووحدات التجريب. المبحث الرابعأساليب مواجهة المشكلهلقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وصناعتها مدمرة بالكامل وعلى رأسها قنبلتين ذريتين أطاحتا بثلاثمائة ألف قتيل وأضعاف عدد القتلى من الجرحى والمعوقين والمشوهين, إضافة إلى التدمير الواسع لمدينتي هيروشيما ونجازاكي, وتلويث الهواء والماء والتربة والنبات والحيوان بالإشعاع الذري, ورب ضارة نافعة, فإن اليابان قد استشعرت على الفور اتساع خطر الفجوة العلمية التقنية التي تفصلها عن أمريكا والغرب, ولم تعالج اليابان هذه الفجوة بالشجب والاستنكار والمواقف الخطابية العاطفية أو بالحماس والتوثب الروحي فقط, حيث لم يكن للبكائين أو المتخاذلين مكان بين صفوف القيادة أو الشعب الياباني, وإنما عالجتها بشراء ما يزيد على اثنين وأربعين ألف عقد نقل للتكنولوجيا من الدول الصناعية المتقدمة دفعت باليابان على الرغم من ندرة الموارد الطبيعية لديها في قرابة ربع قرن من الزمان إلى تقدم علمي وتقني هـــائل. كان له أعظم المردود على النشاط الاقتصادي ومستوى المعيشة والقدرة التنافسية وسعر الين الياباني واستطاعت اليابان تحقيق نصر اقتصادي هائل أزال عنها آثار هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.فهل يمكن أن يكون للمسلمين في اليابانيين قدوة في العمل الجاد والإرادة الصادقة, خاصة وأن لدى الدول الإسلامية إمكانات مادية وبشرية هائلة وأننا لا ننطلق من نفس نقطة الصفر التي انطلقت منها اليابان في تحقيق معجزتها العلمية والتقنية, إننا كمسلمين ولكن نحقق معجزة علمية تقنية مماثلة للمعجزة اليابانية, أصبحنا مطالبين وأكثر من أي وقت مضى بتحقيق حزمة من السياسات السياسية والاقتصادية والعلمية على الأصعدة الداخلية والبينية والدولية, ولأغراض البحث العلمي فإننا سوف نقسم حزمة السياسات المطلوب من الدول الإسلامية تحقيقها للتغلب على فجوتها التقنية إلى:أ- السياسات العلمية والاقتصادية والسياسية على الصعيد الداخلي لكل دولة.ب- السياسات العلمية والاقتصادية على صعيد العلاقات البينية للدول الإسلامية.ج -السياسات العلمية والاقتصادية والسياسية على صعيد العلاقات الدولية للدول الإسلامية.أولاً: السياسات على الصعيد الداخلي:لقد بات من المسلم به أن ثمرة البحث العلمي الفردي, إن وجدت فهي ضئيلة للغاية حيث أصبح البحث العلمي جماعياً بالنظر إلى اعتبارين رئيسيين هما:أ- ارتفاع تكلفته الحدية.ب- تشتت جهود الباحثين, فيما لو تركوا فرادى يبدأ كل واحد منهم من الصفر فيسيرون جميعاً في خطوط متوازية, وذلك على عكس الفريق المتكامل الذي يسير في خط واحد نحو هدف واحد حيث يختزل الزمن والمجهول والتكلفة, وبالنظر إلى هذين الاعتبارين فقد أصبح لزاماً على كل دولة إسلامية تفعيل دورها في:1- دعم وتشجيع دراسات العلوم والتقنية بما يتطلبه ذلك من تجهيزات ومختبرات وأجهزة ومعدات وعناصر بشرية منتقاة من الباحثين والإداريين (17).2- دعم وتشجيع عمليات توظيف نتائج البحث العلمي من أجل التنمية (عمليات التقنية) بمزيد من الاعتمادات المالية, التي تكاد تتلاشى في بعض الدول الإسلامية, وهي لا تكاد تذكر بين الدول العربية, إذ في تقرير لمنظمة العمل العربية, نشرت صحيفة الشرق القطرية موجزاً له في 10 أكتوبر 2002 حذر الأستاذ إبراهيم قويدر المدير العام للمنظمة من التفوق الإسرائيلي الكاسح في مجالات البحث العلمي, وذكر أن معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد على اثنين في الألف سنوياً من الدخل القومي 02% في حين تصل هذه النسبة في إسرائيل إلى 8.1% من إجمالي الدخل القومي لها سنوياً على الرغم من أن متوسط دخل الفرد في إسرائيل يزيد حوالي 11ضعفاً عن دخل المواطن في الدول المجاورة لها (مصر ـ الأردن ـ سوريا ـ لبنان).في الوقت الذي تنفق فيه الدول الكبرى ما بين 2% و 4% من إجمالي ناتجها القومي على عمليات توظيف البحث العلمي من أجل التنمية (18) على ضخامة الدخول القومية فيها.3- ومن بين أهم السياسات المطلوبة كذلك على هذا الصعيد: إعادة الاعتبار للعلماء والباحثين ماديا ومعنويا, والسعي إلى إيجاد مشروع إسلامي / عربي يستهدف وقف هجرة العقول والكفاءات الإسلامية / العربية إلى الخارج أو تسربهم إلى النشاطات المالية والإدارية, بما يؤدي إلى انصرافهم عن الحياة العلمية والبحثية, إذ ليس من المقبول في عصر العلم والتكنولوجيا أن تسعى أفضل العقول والكفاءات البشرية الإسلامية إلى إيجاد فرصة عمل لها في خارج أوطانها, أو النزوح نهائياً عنها, إن الأرقام التي توردها التقارير الدولية عن هجرة العقول والكفاءات الإسلامية خاصة إلى دول المهجر الثلاث الرئيسية (أمريكا – كندا – بريطانيا) أرقام مفزعة ومخيفة, فحسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية هاجر من باكستان خلال العقد الأخير ما بين 50% إلى 70% من خريجي كليات الطب (19), وفي تقرير منظمة العمل العربية سالف الذكر فقدت مصر نحو 450 ألف كفاءة علمية من خيرة عقول أبنائها هاجرت إلى الخارج حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي, وذلك بما يشكل خسارة فادحة لدولة الموطن, ووفراً إضافياً لدول المهجر.4- إعادة النظر في منظومة التعليم وفي المنظومة الإدارية المساندة لها بما يسمح بتحقيق أهداف وغايات من أهمها:- الاكتشاف المبكر للمتفوقين والموهوبين وإيلاؤهم رعاية تعليمية خاصة.- تنظيم الاستفادة من العلاقات العلمية الدولية.- إرساء قاعدة ا لتميز العلمي في مجال العلوم الأساسية الحديثة وعلى الأخص في مجالات المعلوماتية لإلكترونيات الدقيقة والطاقة النووية والفضاء والمواد الجديدة والطاقة الجديدة والمتجددة والهندسة الوراثية وصناعة الدواء والتكنولوجيا العسكرية.- ربط المؤسسات العلمية والبحثية بالمنشآت الصناعية الإنتاجية بما يسمح بتوليد تكنولوجيا محلية والتفاعل مع التكنولوجيا المستوردة المتقدمة وإقامة الجسور بين مراكز الأبحاث الوطنية والمنشآت الصناعية والإنتاجية.- إعادة بناء الجسور بين المجتمع العلمي وعامة الشعب وتحسين صورة المعلم والعلماء بين مختلف طبقات الشعب, وجعلهم رموزاً للأجيال بعد أن سيطر الفنانون ولاعبوا الكرة لسنوات عجاف طوال على الساحة الإعلامية.- إيجاد وسائل وآليات دعم مستديمة للمؤسسات البحثية حتى تتفرغ دون ضغوط تمويلية للتطوير والملاحقة التكنولوجية, مع وقف تضخم الأجهزة الإدارية لهذه المؤسسات منعاً من تآكل الميزانيات وتحاشياً للتعقيدات المكتبية (البيروقراطية), إن منظومة التعليم على اختلاف مراحله في الدول الإسلامية عامة والعربية خاصة, عبارة عن مجموعة من النظم وضعت منذ ما يربو على النصف قرن من الزمان, إبان الفترة التي كانت المصالح الاستعمارية فيها هي المتحكمة والمسيطرة على مقاليد الأمور في المنطقة, وقد اختيرت موادها وأولوياتها لتخدم الوضع السياسي الاجتماعي الاقتصادي القائم آنذاك, وأقصى ما كانت تتمناه هو تخريج موظفين لدواوين الدولة, أي مجرد أشخاص يعرفون القراءة والكتابة, قارئين أو مطلعين على بعض الكتب المقررة في فنون علمية شتى من العلوم الإنسانية بشكلها المحفوظاتي النظري, الذي لم تسلم منه حتى الكليات العملية والمعملية في بعض مناهجها التي تعطي فيها الأولويات للمعالجات النظريةبل إننا في كثير من جوانب منظوماتنا التعليمية نكتفي بمجرد محاكاة المؤسسات العلمية الأجنبية في نوعيات برامجها وكمياتها وساعاتها المعتمدة وأساليب تدريسها مع إغفال ربط الإعداد العلمي لأبنائنا بواقعنا ظناً منا أن التقدم العلمي لدى المؤسسات العلمية الأجنبية دليل على رقيها وعلى صحة ضرورة محاكاتها, وأن تدريس أرقى وأحدث النظريات العلمية هو وسيلتنا الوحيدة إلى التقدم التقني والحضاري, مع إغفال أن التكنولوجيا ليست علوماً نظرية بقدر ما هي ممارسة عملية تطبيقية, وهو الأمر الذي يدعونا إلى القول بإعادة النظر في منظومتنا التعليمية.5-على أن سياسة علمية أو اقتصادية داخلية في أية دولة إسلامية يجب أن تقترن بتوجه صادق من صاحب القرار السياسي بوضع استراتيجية علمية تقنية دقيقة ومستمرة وبعيدة المدى, وفصلها تماماً عن شكل ونظام الحكم في الدولة, وإعطاء القائمين عليها الصلاحيات الكاملة للمسح الشامل لإمكانات الدولة المادية والبشرية ووضع سلم الأولويات الآنية والمستقبلية في حدود زمنية ملزمة وتأسيس قواعد علمية وتقنية وإدارية متطورة والاستثمار الأمثل للقدرات والطاقات والقوى والمصادر المتاحة للنهوض والوثوب التكنولوجي للدولة.ثانيا: السياسات العلمية والاقتصادية المطلوبة لسد الفجوة التكنولوجية:على صعيد العلاقات البينية للدول الإسلامية:لاشك أن خطر اتساع الفجوة التقنية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة, باب يهدد الشعوب والدول الإسلامية قاطبة, ليس فقط عن طريق استنزاف عقولها ومواردها الاقتصادية, بل والتدخل السافر لتغيير نظم الحكم وشكل الخريطة السياسية لهذه الدول بما يزيد من تفكك أوصالها وخلق كيانات سياسية هزيلة تابعة, وهو ما يملي على الدول الإسلامية عدد من الضرورات الملحة لسد الفجوة التقنية بينها وبين الدول المتقدمة من أهمها:1- تفعيل قدر من التخطيط والتنسيق والتعاون بين المؤسسات العلمية والبحثية والتقنية الإسلامية, بما يكفل لها الحركة بتخطيط واحد ونحو أهداف محددة, وتتزايد أهمية هذا التفعيل في مجال التقنيات التي تحتاج إلى تزاوج القدرات البشرية القادرة على مسايرة العصر علمياً وتقنياً والمتوفرة لدى بعض الدول الإسلامية, مع القدرات المالية المتوفرة لدى بعضها الآخر, مثل الأبحاث النووية والتقنيات العسكرية المتطورة وتكنولوجيا الفضاء وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى رؤوس أموال طائلة تعجز عن توفيرها أية دولة إسلامية بمفردها.2- زيادة نسبة التبادل التجاري بين الدول الإسلامية بما يؤدي إلى نمو النشاط الزراعي والصناعي والوصول إلى مستوى الإنتاج الكبير تمكيناً للمؤسسات الإنتاجية في هذه الدول من إنشاء مراكز بحثية والوصول بمنتجاتها إلى مرحلة الجودة والمنافسة.لقد نمت المشروعات الإنتاجية في الدول المتقدمة بالقوة العسكرية حيث كانت المستعمرات أسواقاً مغلقة لتصريف منتجاتها, وهو الأمر الذي لا تملك وسائله مشروعات الإنتاج في الدول الإسلامية, فليس من سبيل إلا نشر الوعي الاستهلاكي لدى المسلمين لتفضيل منتجات الأشقاء حتى لو كانت أقل جودة مع الضغط المستمر عليها للوصول إلى مستوى الجودة المطلوبة.3- تبادل الخبرات الفنية بين الدول الإسلامية في مجالات البحوث والتدريب والتأهيل, والحد من الاعتماد على الخبراء والفنيين غير المسلمين وتفضيلهم على نظرائهم المسلمين, فقد أثبت الواقع أنهم لا يعطون كل ما عندهم وأن لتواجدهم في الصفوف الأولى من المؤسسات العلمية والفنية والبحثية في الدول الإسلامية أهدافاً أخرى, أدناها تقييد انطلاقة التقدم العلمي والتقني في الدول الإسلامية والتحكم في مسارها, وتبديد ثروات المسلمون في مشاريع براقة ليس لها مردود حقيقي, خلافاً للخبرات العلمية والفنية المسلمة التي تعطي بسخاء وتعمل بإخلاص وحماس وغيرة على الدين والأشقاء.ثالثاً: السياسات العلمية والاقتصادية المطلوبة لسد الفجوة التقنية:على صعيد العلاقات الدولية:يجب أن يدرك المسلمون أنهم لن يظلوا إلى الأبد مستهلكين لمنتجات الغير, تستنزف ثرواتهم في حفنة من السلع الاستهلاكية ذات الأسعار غير المبررة, ويقترح البحث في سبيل نقل واستيعاب وتوطين وتوليد التكنولوجيا عدداً من السياسات العامة والاقتصادية على صعيد العلاقات التجارية الدولية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة منها:1- ربط الواردات بالتصنيع المحلي عن طريق عقد اتفاقات بين مجموعات الدول الإسلامية الإقليمية والشركات المنتجة لتصنيع السلعة المستوردة داخل الدول الإسلامية مع الزيادة التدريجية لنسبة المكون المحلي الإسلامي في أجزاء السلعة حتى يصل المكون الإسلامي بعد فترة زمنية إلى 100% مائة في المائة, ويبقى لدولة المنشأ بعد هذه الفترة حق استغلال الاسم والعلامة التجارية فقط وعلى سبيل المثال:فإن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد مجتمعة نحو مائة ألف سيارة يابانية (فرضاً) كل عام, فلماذا لا يتم تصنيعها بالكامل داخل دول المجلس على أن توزع مصانع الصناعات المغذية داخل دول المجلس كلها ويتم التجميع في إحداها ويتم نقل واستيعاب وتوطين وتوليد تكنولوجيا خليجية للسيارات بعد فترة زمنية محددة, وهكذا في باقي السلع, المسألة إذن لا تحتاج إلى أكثر من إصرار المفاوض العربي أو المسلم, وإيجاد الشريك البديل الذي يقبل شروط شراكتنا معه, ونشر الوعي الاستهلاكي بين جماهيرنا لتحقيق المصالح الإسلامية الإستراتيجية.2- تعظيم الاستفادة بما تتيحه اتفاقية (تريبس) للدول النامية عامة ومنها الدول الإسلامية من فرص لفهم واستيعاب التكنولوجيا ومن ثم توطينها وتوليدها, وأمام الدول الإسلامية في هذا الشأن طريقان هما:أ- فهم واستيعاب التكنولوجيا المباحة, المتاحة الآن في أكثر من 90% من السلع المتداولة في الأسواق, والتي ليس لها براءة اختراع أو انتهت مدة الحماية لها عن طريق تفكيك أجزائها أو تحليل مكوناتها وعناصرها لأغراض البحث العلمي ومعرفة طريقة التصنيع والتجميع, ومحاولة محاكاتها (تقليدها) والإضافة عليها.ب- الاستفادة من شروط الإفصاح الإفهام التي أوردتها المواد 29-31 من اتفاقية (تريبس) والتي يلتزم بموجبها صاحب براءة الاختراع بالإفصاح عن مضمون اختراعه إفصاحاً واضحاً وكاملاً, بما يجعل من شأن المتخصص الماهر أن ينفذه, والتي تعطي الحق للدول أعضاء التريبس في إلزام طالب البراءة بتقديم معلومات عن طلبات مماثلة تقدم بها في بلدان أجنبية أو براءات منحت له فيها, والتي تجيز إصدار تراخيص إجبارية (لأغراض التصنيع والبحث العلمي) في حدود معينة.المبحث الخامسالحلول المقترحة لسد الفجوة التقنيةمن الأمور المسلم بها عدم وجود نموذج دولي محدد لصياغة الإستراتيجية التكنولوجية يمكن تطبيقه في كل الدول, وإنما تمثل كل دولة حالة خاصة على حدة وفق ظروفها وإماكاناتها, ومن المسلمات كذلك أن التنمية التقنية في الكثير من المجالات أصبحت مرهونة بالعديد من الاعتبارات والتوازنات الدولية, فالظروف الدولية والمحلية التي سمحت لليابان وكوريا وباقي دول الفوج الثاني (نمور شرق آسيا) بتحقيق نهضتها التكنولوجية, ليست هي نفس الظروف والاعتبارات والتوازنات التي تواجه الأمة الإسلامية, ومن العبث القول باتخاذ اليابان أو كوريا أو الصين أو إسرائيل نموذجاً محدداً لصياغة استراتيجية تقنية يمكن تطبيقها في الدول الإسلامية.وخروجاً من دائرة الخلاف حول هذا الموضوع فإن البحث يقترح عدة حلول لسد الفجوة التقنية بين الدول الإسلامية والدول المتقدمة من أبرزها:1- التقييم الدقيق للقدرات التكنولوجية الموجودة في كل دولة إسلامية على حدة وللدول الإسلامية مجتمعة, والاختبار الواعي لما يناسب كل دولة من أنواع ومجالات التكنولوجيا الحديثة وفقاً لقدراتها المادية والبشرية والعلمية.2- زيادة قدرة وفاعلية الجهاز الإنتاجي في كل دولة إسلامية على إنتاج مكونات ومستلزمات السلع التكنولوجية المباحة (التي ليس لها براءة اختراع أو انتهت مدة الحماية لها) والسعي إلى إحداث أية إضافات لها.3- إيجاد آلية فاعلة للتنسيق والتعاون بين مراكز الأبحاث والمنشآت الصناعية في الدول الإسلامية بما يضمن تسويقاً لنتائج أبحاث هذه المراكزوتوليد تقنية إسلامية خالصة مناسبة, والاستغناء تدريجيا عن استيراد الخدمات التكنولوجية للصناعة في هذه الدول.4- بناء استراتيجية تقنية إسلامية تقوم على أربعة عناصر هي:أ- المحاكاة والتقليد.ب- تراخيص التصنيع.ج - التطويع والإضافة ومحاولة تغيير عناصر العملية الإنتاجية.د - التطوير الانتقائي للتكنولوجيا الوطنية.5- ربط خطة التعليم في الدولة عضوياً بخطتها الوطنية الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية, مع ضرورة إشراك العلميين في إعداد الخطة الوطنية الشاملة.6- تخصيص حد أدنى في كل دولة إسلامية للاتفاق على البحوث والتدريب والتطوير ونقل التكنولوجيا, يتزايد بمعدل سنوي من إجمالي الناتج القومي.7- التصدي الحاسم لمشكلة الاستخدام الناقص للمهارات المتاحة وذلك بتوجيهها نحو زيادة الإنتاج, بحيث ترتبط الزيادة الكمية أو النوعية فيها بزيادة معدلات الإنتاج والنمو.8- إقامة وتعزيز المراكز الوطنية لتوليد التكنولوجيا وتطويرها ونقلها وربطها بالقطاعات الإنتاجية لتمكينها من تلبية احتياجاتها الفعلية, وبالمؤسسات التعليمية القائمة لتمكينها من رسم سياسة علمية متناغمة مع السياسة التقنية وخطط التنمية الشاملة في الدولة.



