الصناعات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي: الوضع القائم والتحديات المستقبلية


تمثل الصناعات الصغيرة والمتوسطة إحدى القطاعات الاقتصادية التي تستحوذ على اهتمام كبير من قبل دول العالم كافة والمنظمات والهيئات الدولية والإقليمية ، والباحثين في ظل التغيرات والتحولات الاقتصادية العالمية ، وذلك بسبب دورها المحوري في الإنتاج والتشغيل وإدرار الدخل والابتكار والتقدم التكنولوجي علاوة على دورها في تحقيق الاهداف الاقتصادية والاجتماعية لجميع الدول .
وتشكل الصناعات الصغيرة والمتوسطة اليوم محور اهتمام السياسات الصناعية الهادفة إلى تخفيض معدلات البطالة في الدول النامية والدول المتقدمة صناعيا بصرف النظر عن فلسفاتها الاقتصادية وأسلوب إدارة اقتصادها الوطني .
وشرعت العديد من المنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعيةUNIDO والبنك الدولي إلى رفع شعار دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة وأقامت لهذا الغرض أقسام ووحدات خاصة بها .
وتحتل الصناعات الصغيرة والمتوسطة أهمية متميزة في الهيكل الصناعي ، وتمارس دورا مهما في تحقيق التنمية الصناعية نظرا لدورها الفعال في تكوين الدخل القومي ، وخلق فرص عمل واسعة ، وجذب المدخرات ، وإيجاد فرص كبيرة لإقامة المشاريع ذات التكلفة الرأسمالية المنخفضة ، كما أن معظمها يستخدم المواد الخام المحلية ، أو المنتجات نصف المصنعة الناتجة عن الصناعات الكبيرة ، كما أنها تقوم بتلبية احتياجاتها من بعض المنتجات الوسيطة بحيث تمارس دورا مؤثرا في تكامل الصناعات .
وقد قامت دول مجلس التعاون الخليجي بتوجيه مزيدا من الاهتمام للصناعات الصغيرة والمتوسطة في العقدين المنصرمين ،تمثل في اتخاذ جملة من السياسات والإجراءات المشجعة ، منها حاضنات المشاريع الصغيرة وصناديق تنمية مشروعات الشباب ، وتأسيس شركات لتطوير مناطق صناعية يتم تخصيصها للصناعات الصغيرة والمتوسطة .
وتهدف الدراسة إلى توضيح الأهمية التنموية للصناعات الصغيرة والمتوسطة ، فضلا عن بيان أهم ملامح وخصائص هذه الصناعات وأهميتها الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي.والتحديات التي تواجه تطور هذه الصناعات في ظل التطورات المتسارعة بفعل اتساع نطاق ظاهرة العولمة .
وقد تم تقسيم البحث إلى عدة أقسام هي :-
أولا- مفهوم الصناعات الصغيرة والمتوسطة .
ثانيا- الأهمية الاقتصادية للصناعات الصغيرة والمتوسطة .
ثالثا- خصائص الصناعات الصغيرة والمتوسطة .
رابعا- التوزيع الجغرافي للصناعات الصغيرة والمتوسطة .
خامسا- توزيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة حسب النشاط الصناعي .
سادسا- التحديات المستقبلية التي تواجه الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
سابعا – بعض التجارب الدولية في تطوير الصناعات الصغيرة والمتوسطة .

أولا- تعريف الصناعات الصغيرة والمتوسطة :
يختلف تعريف ومفهوم الصناعات الصغيرة والمتوسطة من دولة لأخرى وفقا لأختلاف امكانياتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية مثل درجة درجة التصنيع وطبيعة مكونات وعوامل الإنتاج الصناعي ونوعية الصناعات الحرفية التقليدية القائمة قبل الصناعة الحديثة ، والكثافة السكانية ،ومدى توفر القوى العاملة ودرجة تاهيلها ، والمستوى العام للاجور والدخل وغيرها من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد ملامح وطبيعة الصناعات القائمة فيها . كما ويختلف التعريف وفقا للهدف منه ، وهل هو للاغراض الإحصائية أم للاغراض التمويلية أو لاية أغراض أخرى .
ومع إختلاف التعاريف يصعب أحيانا التمييز بين الصناعات الصغيرة والمتوسطة ، حيث يكون الانتقال بينها تدريجيا . وبصفة عامة حظيت الصناعات الصغيرة على الرغم من التفاوت في تعريفها بدرجة أكبر من الاهتمام والدراسة ، وهناك ملامح وصفات أساسية متفق عليها لتعريفها . ويأتي تعريف الصناعات المتوسطة بطريقة غير مباشرة بناء على تعريف الصناعات الكبيرة ، وبالتالي تحظى بالموقع المتوسط بين الصناعات الصغيرة والكبيرة .
وبالرغم من عدم وجود تعريف دولي متفق عليه للصناعات الصغيرة والمتوسطة ، بيد أنه يوجد أتفاق على المعايير التي يمكن على أساسها تعريف الإحجام المختلفة للصناعة ,من اكثر المعايير شيوعا ما يلي :
1- عدد العاملين :
ويمثل ابسط المعايير المتبعة للتعريف وأكثرها شيوعا لسهولة القياس والمقارنة في الاحصاءات الصناعية ، غير أن من عيوب هذا التعريف أختلافه من دولة لاخرى ، فضلا عن انه لا يأخذ بنظر الاعتبار التفاوت التكنولوجي المستخدم في الإنتاج .
2- حجم الاستثمار :
يعد حجم الاستثمار ( راس المال المستثمر ) معيارا أساسيا في العديد من الدول للتمييز بين الصناعات الصغيرة والمتوسطة وبين الصناعات الكبيرة ، على أعتبار أن حجم الاستثمار يعطي صورة عن حجم النشاط الصناعي كميا .
3- قيمة المبيعات السنوية :
يمكن اعتبار قيمة المبيعات السنوية أحد المعايير التي تميز الصناعات من حيث حجم النشاط وقدرته التنافسية في الاسواق . (1)
وصفوة القول فإن تعريف الصناعات الصغيرة والمتوسطة يختلف من دولة لأخرى حسب مستوى التنمية والنمو الاقتصادي ، فالصناعة الصغيرة في الولايات المتحدة تختلف عن مثيلاتها في دولة نامية مثل جيبوتي . وهكذا نرى أن دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD تعتمد في أغلب الأحيان التعاريف التالية :
1-الصناعات الماكروية Micro Industries :
وتتمثل بالصناعات الفردية والتي تكون عادة بدون أجراء أو تشغل أربعة أجراء على الأكثر.
2-الصناعات الصغيرة جدا Very Small Industries :
وهي تلك الصناعات التي تضم من (5) إلى (19) عامل .
3-الصناعات الصغيرة Small Industries :
وتضم من (20) إلى (99) عامل .
4- الصناعات المتوسطةMedium-Sized Industries :
وتضم من (100) إلى (499) عامل ، وأحيانا تكون مقسمة إلى صنفين يضم الأول من (50) إلى (199) عامل والثاني من (200) إلى (499) عامل .
5- الصناعات الكبيرة Large Industries :
وتضم أكثر من (500) عامل وأحيانا تضم الصناعات الكبيرة جدا أكثر من (1000) عامل .(2)
وعلى عكس دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي لا تجتمع الدول النامية على تعريف موحد ودقيق للصناعات الصغيرة والمتوسطة . وتشير أحدى الدراسات إلى أن الصناعة تعد صغيرة إذا كانت تشغل أقل من (6) عمال ، بينما تعد الصناعة التي تضم من (10) إلى (25) أو حتى (100) عامل صناعة متوسطة ، وتعد الصناعة التي تضم أكثر من (100) عامل صناعة كبيرة في بعض الدول الأقل نموا .(3)
أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ، فإنها تستخدم معيار رأس المال المستثمر للتمييز بين الصناعات ، حيث تعرف الصناعات الصغيرة بأنها تلك المنشآت التي يبلغ متوسط رأسمالها المستثمر أقل من مليوني دولار ، أما الصناعات المتوسطة فتتمثل بالمنشآت التي يستثمر كل منها من (2) مليون وأقل من (6) ملايين دولار ، بينما تعد الصناعات كبيرة إذا بلغ راس المال المستثمر فيها (6) مليون دولار فأكثر .
وصفوة القول فإن الدول الصناعية والنامية تختلفان في تعريف الصناعات الصغيرة والمتوسطة مما يجعل من الصعوبة بمكان إجراء المقارنة بينهما فالصناعات التي تعتبر متوسطة في الدول النامية تعد صغيرة في الدول الصناعية ، كما أن الصناعات الكبيرة في الدول النامية تعد متوسطة في الدول الصناعية .
وفي سبيل مواجهة الصعوبات في المقارنة درجت العديد من الدول المتقدمة والنامية على تبني تعريف منظمة العمل الدولية والتي تعرف الصناعات الصغيرة بأنها الصناعات التي يعمل بها أقل من 10 عمال والصناعات المتوسطة التي يعمل بها مابين 10 الى 99 عامل ، وما يزيد عن 99 يعد صناعات كبيرة .
ثانيا- الأهمية الاقتصادية للصناعات الصغيرة والمتوسطة :
بقيت القناعة بأهمية الصناعات الكبيرة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي مهيمنة على الفكر الاقتصادي حتى منتصف عقد السبعينات من القرن العشرين ، لكن سرعان ما تغيرت هذه القناعة في منتصف السبعينات مع ظهور كتاب البرفيسور شموكلر Small is Beautiful ،فلم تعد هذه الصناعات تمثل رمزا للتصنيع والتطور التكنولوجي والنمو الاقتصادي .
ومنذ مطلع منتصف السبعينات من القرن الماضي تضاعف عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول الصناعية والنامية ، فعلى سبيل المثال باتت المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل نسبة تجاوزت 90% من عدد المشروعات الاقتصادية الموجودة في العالم ، وتشغل ما بين 50 و60% من إجمالي قوة العمل،وتوفر الصناعات الصغيرة والمتوسطة نحو 70% من فرص العمل في دول الاتحاد الأوربي ، وفي منطقة شرق آسيا ودول الباسيفيك تشكل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ما يزيد عن 95% من إجمالي المشاريع التي تستقطب ما بين 35%- 85% من إجمالي قوة العمل ، أما في الهند تستوعب الصناعات الصغيرة والمتوسطة حوالي 50% من إجمالي العمالة الصناعية ، وفي ايطاليا 81% ، وفي بيرو 60% ، وفي سنغافورة 35% من إجمالي العمالة في القطاع الصناعي.( 4)
وتساهم بما يزيد عن 70% من الإنتاج العالمي للسلع والخدمات ، وتمثل القوى المحركة للإبداع والابتكار في فروع الإنتاج المختلفة .(5)
وتشير أحدى الدراسات إلى أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة قد تسهم بنحو 25 إلى 35% من الصادرات العالمية للمواد المصنعة . وتشير تقديرات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي إلى أن معدل مساهمة الصناعات الصغيرة والمتوسطة في صادرات دول المنظمة تبلغ حوالي 26% من إجمالي الصادرات ، وتحتل الصناعات الصغيرة والمتوسطة الإيطالية المركز الأول بنحو 53% ، تليها الدنمارك وسويسرا بنحو 46% و 40% على التوالي ، ثم السويد بنحو 30%، ففرنسا وهولندا 26% .أما في اليابان فإن مساهمة الصناعات الصغيرة والمتوسطة لا تتجاوز13.5 % .
وبلغت مساهمة الصناعات الصغيرة والمتوسطة في صادرات بعض الدول الآسيوية معدلات عالية جدا ، حيث بلغت 60% في الصين ، و56% في تايوان ، و40% في كوريا الجنوبية.
وتتضح أهمية الدور الدور الاستراتيجي الذي تلعبه تلك الصناعات في تحقيق التطور الاقتصادي للدول المتقدمة صناعيا من خلال المساهمة في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك من خلال توظيف

تعتمد المشروعات الصغيرة والمتوسطة على العمالة المكثفة ، وتميل إلى توزيع الدخل بصورة أكثر عدالة مقارنة بالمؤسسات الكبيرة ، فهي تلعب دورا هاما في خلق فرص الاستخدام بما يخفف من حدة الفقر إذ أنها كثيرا ما توفر فرص عمل مقابل أجور معقولة للعمال من الأسر الفقيرة والنساء اللاتي يفتقرن على المصادر البديلة للدخل .
· تسهم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في رفع كفاءة تخصيص الموارد في الدول النامية ، فهي تميل إلى تبني الأساليب الإنتاجية كثيفة العمالة بما يعكس وضع تلك الدول من حيث وفرة قوة العمل وندرة راس المال . وكلما توسع نشاط تلك المشروعات في الأسواق غير الرسمية أصبحت أسعار عوامل الإنتاج والمنتجات التي تتعامل بها تعكس بصورة أفضل تكاليف الفرص البديلة مقارنة بالأسعار التي تتعامل بها المشروعات الكبيرة.
· تدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بناء القدرات الإنتاجية الشاملة ،فهي تساعد على استيعاب الموارد الإنتاجية على مستويات الاقتصاد كافة ، وتسهم في إرساء أنظمة اقتصادية تتسم بالديناميكية والمرونة تترابط فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة ، وهي تنتشر في حيز جغرافي أوسع من المشروعات الكبيرة ، وتدعم تطور ونمو روح المبادرة ومهاراتها وتساعد على تقليص الفجوات التنموية بين الحواضر والأرياف . (9)
وعلاوة عن دور الصناعات الصغيرة والمتوسطة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، فإنها تقدم العديد من المميزات التي يمكن تلخيصها بالآتي: (10)
* إتاحة فرص عمل برؤوس أموال اقل .
* استغلال مدخرات المواطنين والاستفادة منها في الميادين الاستثمارية المختلفة ، بدلا من تبذير هذه المدخرات في الاستهلاك .
* استغلال المواد الأولية المتاحة محليا .
* تعد هذه الصناعات صناعات مغذية لغيرها من الصناعات ولها دورها في توسيع قاعدة الإنتاج المحلي .
* لا تحتاج إلى مستويات عالية من التدريب .
* توفر منتجات هذه الصناعات جزءا هاما من احتياجات السوق المحلي ، مما يقلل من الاستيراد .
* تستطيع مواجهة تغييرات السوق بسرعة بعيدا عن الروتين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق